
الشرع… الرئيس الأقوى
د. خالد الأعسر | رأي
طرح هذا السؤال لا ينبع فقط من قدرة الشرع وتنظيمه على إسقاط نظام الأسد خلال أيام معدودة، على أهمية هذا الحدث وقيمته، بل هو محاولة لتقييم تجربة الشرع الفريدة في التاريخ العربي المعاصر.
في الواقع، قدّم الرئيس الشرع عمقًا في الرؤية يدل على بُعدٍ استراتيجي واضح.
أولًا:
يُعتبر أول رئيس في تاريخ سوريا يملك دعمًا شعبيًا من الغالبية الساحقة من الشعب السوري، ويملك في الوقت نفسه القوة العسكرية إلى جانب المشروع والرؤية السياسية.
لقد كانت مشكلة الرؤساء الذين حكموا سوريا بعد الاستقلال تتمثل في افتقادهم إلى القوة العسكرية الداعمة لهم، إضافة إلى غياب الرؤية السياسية الواضحة، كما في حالة شكري القوتلي؛ ولذلك لم يستطيعوا أن يشكلوا العمق السياسي داخل المجتمع السوري، فبقيت تجاربهم محدودة وسقطت بسرعة، مع الإشارة إلى أن بعضهم كان يمتلك النية لبناء سوريا حديثة.
ونشير كذلك في هذا السياق إلى تجربة أديب الشيشكلي ومحاولته بناء دولة عصرية، لكنه كان يفتقد الدعم الشعبي العميق والرؤية السياسية الواضحة، ولذلك انتهت تجربته بالسقوط.
ولا بد أيضًا من الإشارة إلى حكم البعث الأقلوي، الذي لم يكن يملك سوى قوة البطش والإرهاب، من دون دعم شعبي أو رؤية سياسية واضحة، مع الإشارة إلى الشعارات الفارغة والساذجة التي رفعها.
ثانيًا:
مثّلت تجربة الشرع نقلة نوعية لسوريا من التحالف مع دول الشرق إلى التحالف الاستراتيجي مع الغرب، المتمثل بأمريكا وأوروبا. وهي أول نقلة حقيقية ومدروسة في التموضع السوري، بما يحمله ذلك من مضامين استراتيجية عميقة مرتبطة بمنطقة الشرق الأوسط.
لقد كانت جميع الأنظمة التي حكمت سوريا منذ الاستقلال تتجه شرقًا، وتبني تحالفاتها مع الاتحاد السوفيتي والدول التي تدور في فلكه، وذلك نتيجةً وردّة فعل على فترة الاستعمار الغربي وحرب فلسطين عام 1948.
وكانت نتائج هذا التوجه نحو الشرق كارثية على سوريا، إذ ساهم بصورة فعّالة في الفشل في بناء الدولة الحديثة، وخلق لسوريا عداوات على المستويين الإقليمي والدولي، ما ساهم في وصول النظام الأقلوي الإرهابي وسيطرته لأكثر من ستين عامًا.
ثالثًا:
قدّم الشرع تجربة فريدة في منطقتنا تقوم على عدم تصدير المشكلات الداخلية إلى دول الجوار والمنطقة، وتُعتبر أول حالة انتصار لثورة من دون السعي أو المحاولة لتصديرها.
فعلى سبيل المثال، في الثورة الإيرانية التي قادها الخميني، كان أول ما سعى إليه هو تصدير مشكلاته الداخلية إلى دول الجوار، والعمل الحثيث والمستمر على توسيع ثورته الطائفية لتشمل دول المنطقة. وكذلك ثورة تموز في مصر، إذ حاول جمال عبد الناصر مرارًا، وبإصرار كبير، تصدير ثورته وشعبيته إلى الدول الأخرى، حتى لو تطلب ذلك استخدام القوة العسكرية.
أما الشرع، فقد شكّل النقيض العملي والاستراتيجي لنظرية تصدير الثورة أو تصدير المشكلات إلى دول المنطقة، وهو ما يمثل تحولًا فكريًا استثنائيًا في تداعيات أي ثورة حدثت، ويدل على عمق الوعي السياسي لدى من يقود هذه الرؤية.
رابعًا:
مثّلت تجربة الشرع المحاولة الحقيقية الأولى في سوريا للاقتداء بالتجربة الخليجية الناجحة، القائمة على بناء استقرار داخلي حقيقي بأفق واسع، وعلى اقتصاد حر يعتمد على مشاريع اقتصادية ضخمة لإحداث نقلة نوعية في المجتمع، وتغيير أدوات ومنطلقات الإنتاج.
خامسًا:
مثّلت تجربة الشرع التجربة الأولى الناجحة للربط الجغرافي بين دول الخليج والمشرق العربي، المتمثل بسوريا والأردن وتركيا ذات الإرث التاريخي، وما تمثله عملية الربط هذه من تغيير في الديناميكيات السياسية والاقتصادية والأمنية.
وبدون شك، يمثّل حكم الشرع نقلة نوعية من الناحية التاريخية والاستراتيجية، لم يحدث مثلها منذ سقوط الدولة العثمانية وما تبع ذلك.
لذلك، يُعتبر دون تردد الرئيس الأقوى في تاريخ سوريا.
بقلم: د. خالد الأعسر
مدير معهد لاهاي لحقوق الإنسان والقانون الدولي





