وجهات نظر

كيف أنجو من حربٍ طرفاها أنا؟

روان العمري – رأي

حين يتحول الصراع الداخلي إلى معركة صامتة، لا نرى ساحاتها ولا يسمع أحد أصواتها، لكنها تستنزف أرواحنا كل يوم.

نعيش حروباً داخلية وصراعات مستمرة، لا نراها ولا نبوح بها، لأنها تدور في أعماق أعماق أنفسنا.

ننام ونستيقظ كل يوم وفي داخلنا صراع لا يهدأ؛ شيء يرغب، وشيء آخر يقاوم، وبينهما نقف عاجزين، لا نعرف أيّهما على صواب، وأيّهما يحمل لنا طوق النجاة.

نستنزف من شدة الألم ونحن نقاوم، ونتساءل: كيف ينجو الإنسان من حربه مع نفسه؟ تريد ولا تريد، ترغب وتتراجع، تُقدم خطوة وتتأخر أخرى. إنه شعور يشبه الاختناق؛ تجد نفسك تائهاً ومحتاراً، فلا أنت قادر على الاستسلام، ولا أنت قادر على المواجهة.

في كثير من الأحيان، لا تكمن المشكلة في الرغبة ذاتها، بل في ذلك الانقسام الداخلي، أو ما يشبه العجز النفسي الذي يدفع الإنسان إلى الوقوف في وجه ذاته، ومحاربة رغباته، حتى يستنزف نفسه بصمت.

وكأن قلبه يسحبه في اتجاه، بينما يمضي عقله في الاتجاه المعاكس تماماً.

يريد الحب، لكنه يخشى الأذى. يريد التغيير، لكنه يخاف المجهول. يريد أن يبدأ، لكنه يخشى النهاية. يريد أن يثق، لكنه يخاف الخذلان. وهكذا، يجد نفسه عالقاً بين ما يتمناه وما يخشاه، حتى تتحول حياته إلى معركة صامتة، طرفاها هو ونفسه.

والمؤلم حقاً أنك لا تستطيع الهروب من نفسك.

في الحروب العادية، يستطيع الإنسان أن ينسحب، أو يبتعد، أو يبحث عن مكان أكثر أمناً. أما في الحروب الداخلية، فلا توجد جغرافيا للنجاة؛ فأنت تحمل معركتك معك أينما ذهبت.

قد تأتي لحظات من الهدوء، لكنها غالباً ما تكون مؤقتة، لتعود الأفكار وتطرق الباب ذاته من جديد: ماذا لو خسرت؟ ماذا لو ربحت؟ ماذا لو ندمت؟ وماذا لو كان هذا هو الخيار الصحيح الذي أضعتُه بسبب خوفي؟

وهكذا، تتآكل من الداخل بصمت، بين التردد والقلق والوجع، فيما تبدو أمام الآخرين وكأن كل شيء على ما يرام.

لكن ثمة حقيقة قد لا ندركها إلا متأخرين: ربما لا تكون النجاة في الانتصار على أنفسنا، بل في فهمها بدلاً من محاكمتها. في أن نتوقف عن القسوة على ذواتنا، وأن ندرك أن ذلك الجزء الخائف في داخلنا لم يُخلق ليؤذينا، بل ربما كان يحاول حمايتنا بطريقته الخاصة.

ربما نحتاج إلى أن نكون سنداً لأنفسنا، وأن ننصفها بدلاً من أن نكون خصمها الدائم. أن نتصالح مع مخاوفنا، لا أن نستسلم لها، وأن نتعلم كيف نمنح رغباتنا فرصة دون أن نتجاهل عقولنا، وكيف نصغي إلى عقولنا دون أن نخنق قلوبنا.

ومن هنا، ربما نفهم أن السلام الداخلي لا يعني إسكات جميع الأصوات والأفكار في داخلنا، بل أن نتعلم كيف نصغي إليها دون أن نتمزق بينها. فكل واحد منا يحمل في داخله نسخة تريد النجاة، وأخرى تخشى الطريق إليها.

ولهذا، فإن أقسى الحروب ليست تلك التي نخوضها مع العالم، بل تلك التي نخوضها مع أنفسنا كل يوم؛ حروب صامتة لا يسمع ضجيجها أحد، ولا يعرف حجم خسائرها أحد سوانا.

فكيف ننجو من حربٍ طرفاها نحن؟ ربما تكون البداية حين نتوقف عن معاملة أنفسنا كعدو، ونتعلم أخيراً أن نكون الملاذ الذي نبحث عنه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

فضلا تعطيل إضافة حاجب الإعلانات لتصفح الموقع